أبي منصور الماتريدي

399

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قال القتبي « 1 » : وَلا خِلالٌ مصدر خاللت فلانا خلالا ومخالة ، والاسم الخلة والمخلة ؛ وهي الصداقة . وقال أبو عوسجة : وَلا خِلالٌ : قال : من المخالة ؛ يعني المودة . دائِبَيْنِ : قال : يجريان أبدا ، وهو من الدوب ؛ أي : التعب . قوله تعالى : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 35 إلى 41 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 38 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ( 39 ) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ( 40 ) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ( 41 ) وقوله - عزّ وجل - : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً . أي : مأمنا ، سمي آمنا ، لما يأمن الخلق فيه ؛ كما سمي النهار مبصرا ، والنهار لا يبصر ولكن يبصر فيه ، ومثله كثير . ثم يحتمل قوله : اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً قال بعض أهل التأويل : إنما طلب إبراهيم أن يجعله آمنا على أهله وولده خاصة ، لا على الناس كافة ؛ إذ قد سفك فيه الدماء ، وهتك فيه الحرم ؛ دل أنه جعله آمنا على أهله وولده خاصة ، ولكن لو كان ما ذكروا محتملا - ما يصنع « 2 » بقوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً . . . الآية [ العنكبوت : 67 ] وقوله : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [ البقرة : 125 ] وغيره من الآيات . أخبر أنه جعل تلك البقعة مأمنا للخلق يأمنون فيها . ثم يحتمل وجهين : أحدهما : جعله آمنا بحق الابتلاء والامتحان ، ألزم الخلق حفظ تلك البقعة عن سفك الدماء فيها ، وهتك الحرم ، وغير ذلك من المعاصي ، وإن كانوا ضيعوا ذلك ، وعملوا فيها ما لا يصلح ؛ كالمساجد التي بنيت للعبادة وإقامة الخيرات - ألزم أهلها وعلى جميع الخلائق حفظها عن إدخال ما لا يصلح ولا يحل ، ثم إن الناس قد ضيعوا ذلك ، وعملوا فيها ما لا يليق بها ولا يصلح ، فعلى ذلك الحرم الذي أخبر أنه جعله مأمنا .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 233 ) . ( 2 ) في أ : يضع .